آخر الأخبار

قصة: حُب بطعم الخذلان

كتبت: آية محمد

تبدأ كل القصص والأساطير عندما يتوقّف الواقع للحظة مؤلمة. 


كان يومًا ممطرًا وباردًا شتاء هذا العام، أصبحت بآخر عقدي الثالث، مرّت أيام طوال عليَّ، أحببت وأحبَّني بعضهم، انتهك أحدهم خصوصيتي وحاول بعضهم الوصول لقدس أقداسي، ولكني قد نسيت الأسماء. دائمًا التكرار يجعل الحدث عاديًّا لا قيمة له، ولا قيمة لفاعله. فقط المرة الأولى دائمًا تترك أثرًا شديدًا.


في سيارتي الصغيرة، كنت ذاهبة إلى المدينة الصاخبة، هي هادئة في الساعات الأولى من الصباح، ذهبت لمقهى أحبّه، لقد عُدت لأرتشف القهوة، وأحيانًا النيكوتين. كان المكان مزدحمًا بشدّة. 


- صباح الخير يا دكتورة، عاش من شافك. 


- ازيّك يا علي ... المكان زحمه أوي، أنا عاوزه أشرب القهوة بتاعتي وفطار خفيف وشوفلي مكان أقدر أشتغل فيه! 


- المكان زحمة، بس لو تقبلي التربيزه 12 عليها زبون لوحده بيشتغل ممكن تقعدي معه.


- مافيش مشكلة، هروح أجيب شنطتي من العربية وأرجعلك.


حين عُدت، نبض قلبي بشدّة، لقد تعجّبت؛ فأنا لست مريضة، كما أن لا شيء يجعلني أتحمس! اصطحبني محمد (وهو النادل) إلى الطاولة، وما أن وصلت حتى ...


- اتفضلي يا دكتورة هنا!


-آسر 


- نظر إليَّ بتعجّب، لم يكن منتبهًا حتى قلت اسمه. 

وأجاب بتعجّب: 


- نعم! حضرتك تعرفيني؟ 


- أجبت بارتباك: كنت أعرفك. 


نظر إليَّ وكأنه يحاول تذكّري، لقد مرّت ثلاثة أعوام، خسرت فيهم الكثير من وزني وطفولتي ولين قلبي، لكنّي ازددت أنوثةً وذكاء. وهنا جلستُ بهدوء كأنّي لم أتحدّث منذ قليل، ولم أكن أعرفه، وقلت: 


- معلش يا محمد زوّد على الفطار بتاعي واحد كمان للأستاذ، وشاي بالنعناع؛ شكر لأنه استضافني. 


- حاضر يا دكتورة، حاجة تانيه؟ 


- آه، المياه عاوزه كوب بلاستيك معها، وشكرًا. 


نظرتُ إلى حاسوبي لأتجنّب نظراته، فأنا أعلم أنه ينظر في تعجّب شديد، هو يعرف صوتي، يعرفه جيدًا، لكن من أنا ... 


بعد وقت قصير، شغّلت أغنية لفيروز، كنت أعلم أنه يحبها بشدّة، فنظر إليّ، ثم قال: 


- ماذا تعرفي عنّي؟


نظرتُ في ثقة وقُلت: 


- أكثر مما تتوقّع أنني أعرف. 


- مثل ماذا؟ 


- مثلًا، لم تكُن المدلل يومًا، عانيت من الوحدة كثيرًا، حاولت الانتحار مرارًا، أحببت إحداهنّ ذات مرة وتركتك، فصرت على أثر هذا الحب متألّمًا مغلق القلب أربعة أعوام حتى وجدت مَن أسميتها عزيزة قلبك، فكانت عزّتها عندك بأن تركتها مع أول خطأ فعلي، ورحلت لأخرى، وأتمنى أن تكون قد عشت معها حياة سعيدة الآن، رغم أني ألاحظ عدم اكتراثك بخاتم الزواج؛ فأنت لا تضعه بيدك! 


كان مذهولًا بشدّة، من تراها تلك التي تعرف كل شيء، أراد أن ينظر لعينَيَّ بشدّة، لكني كنت أعمل وأنا أحدّثه. 


- كيف عرفتي؟


- أنت أخبرتني بهذا وأكثر.


هنا جاء النادل 


- قهوة حضرتك وسندوتش الجبنة السايحة، ودا شاي وفطار حضرتك. 


- شكرا يا محمد وياريت تجيبلي الحساب عشان همشي، مستعجلة.


ووقفت أرتّب ما تبعثر مني في هدوء، وارتشفت القهوة وكأنّي سقطت بعشقها، وكنت قد طلبت منه أن يُحقب فطوري، ثم تحرّكت، كل هذا وآسر جالس كأنما توقّف الزمن عنده لا يتحرّك، تحركت مُبتعدةً عن الطاولة فإذا بيد تُمسكني، ونظرت 


- ممكن تسيب إيدي؟ 


- لما تقوليلي إنتي مين! 


- ما ذنبي إن لم تتذكّرني؟ 


- مين إنتي وليه لحقتيني لهنا؟ 


نظرتُ بشفقة، وضحكت بسخرية:


 - أنا ألاحقك إنت؟ يا صغيري ابحث عني بضميرك وقلبك، وإن لم تجد فابحث بعقلك، فأنا أثق أنني كنت أسكن أحدهما ذات مساء.


وأزلت يده وتحركت مسرعةً إلى النادل أعطيه المال، ثم إلى سيارتي، كانت دمعتان سقطتا مع المطر لتدفع شلال الدموع أن يبدأ، ها أنا عُدت مهزومة مجدّدًا لما أبحث عنه، بعد تلك الرسالة المُقتضبة "أعتذر، أتمنى ألّا يتأذّى قلبك، ستتم خطبتي غدًا وسأتزوجها بعد شهرين"، لقد انفصل عني برسالة، لم يقُم بمحادثة أو مكالمة هاتفية حتى. وها أنا على غرار أغنية أم كلثوم أعيش هذه اللحظة "كلموني تاني عنك فكروني فكروني... صحّوا نار الشوق في قلبي وفي عيوني... وافتكرت فرحت وياك أد إيه وافتكرت بعدنا ليه... بعد ما فكّرت إني قدرت أنسى"، لم يخرجني من هذه اللحظة سوى هاتفي يرن ...


- ألو أيوه يا حبيبي وحشتني. 


- مالك يا هنا إنتي كويسه؟ 


- آه. 


- طب إنتى فين؟ 


- كنت في كافيه بشرب قهوة وبفطر قبل الاجتماع. 


- مش كنا موقّفين قهوة؟ 


- إنت عارف من وقت للتاني بشرب فنجان سريع.

 

- فنجان برضو؟ 


-معاذ! 


- نعم! 


-أنا عايزه أشوفك محتاجاك تحضنّي دلوقتي. 


- لا إنتي كده قلقتيني، حصل حاجة؟


-صدّقني يا حبيبي كله خير، هخلص الاجتماع واتّصل بيك تونّسني في طريق الرجوع.


- طيب هستناكي واتمنّى المرّة دي تحكي لي زي ما اتعودنا.

 

- حاضر...

 

أغلقت الهاتف وكنتُ على وشك أن أفتح باب السيارة، لكنّي وجدته خلفي، المواجهة الأولى، بعد هذا الفراق المُخزي ستكون مؤلمة، كنت أعرف ... التفتُّ


- أيوه اتفضل عاوز إيه؟ مين بيلاحق التاني بقا دلوقتي؟ 


- أنا، بس ردّي عليا إنتي مين؟ 


- أنا اللي في وقت ما كنت أضعف وأصغر قولتلي إني نور حياتك وعزيزة قلبك، ممكن تبعد عشان العربية محضنه على الرصيف ومحتاجه أتحرّك. 


كان مذهولًا بحق، لقد حاول أن نلتقي مرارًا وتكرارًا، لكن كان الأمر معقدًا، لقد التقينا كثيرًا باجتماعات الــ zoom، ومكالمات الفيديو الجماعيّة، وتحدّثنا هاتفيًّا كثيرًا، لكن لم نلتقِ رأيَ العين سوى مرة، لوّحنا لبعضنا من بعيد، وكُلٌّ منّا رحل بطريقه.


ركبت سيارتي وأدرتُها، وكدت أن أتحرك، حتى وجدته يفتح الباب ويجذبني من ذراعي ويخرجني من السيارة، محاولًا أن يحتضنّي، فإذا بي أصفعه. 


- إنت اتجننت يا حضرتك سيبني!

 

- ليه؟ أنا محتاجك، إنتي وحشتيني.


- ما تشوفش وحش أبدًا، بس أنا معرفكش أو للتوضيح مابقتش عاوزه أعرفك، لو سمحت ابعد بدل ما أصرخ وأقول طالع ورايا تتحرش بيا، والكاميرات تشهد. 


- بس أنا عاوزك. 


يالسخرية القدر، لم أعد أملك سوى الاشمئزاز منه والشفقة عليه، الآن أوقفت محاولة مراقبته منذ زمن، وها هو عاد هنا! رنّ هاتفي مجدّدًا، إنه مُعاذ.


حاولت أن أفلت منه، واستجمعت قوتي وركلته، وتناولت هاتفي من السيارة، ودخلتها ثم أجبت: 


- أيوه يا حبيبي!


- حبيبي تاني تبقي لسه مش كويسه، مال صوتك خايف ليه؟

 

- كان في واحد بيعاكسني، فكّك خير، اتصلت تاني يعني! 


- نسيت أقولك إن العربية محتاجه تتفوّل، وعارف إنك مش هتركزي وممكن تقطع وإنتي في السكة. 


- بجد تنستر، لأني فعلًا ما كنتش هركز، هروح أفوّلها دلوقتي.

 

- طيب خدي بالك من نفسك واللي يزعلك فرجيه الدبلة، وقولي له خطيبي ظابط وهيجيبك. 


هنا ضحكت بصدق 


- وهتخدم سلطتك يا سيادة العقيد؟ 


- عشانك أعمل أي حاجة. 


- بحبك.  

- وأنا كمان. 


- وإنت إيه؟ 

- بحبني! 


- تصدّق إنك غلس!


تدقيق: شيماء عبد الشافي

العهد نيوز - al3hd news
العهد نيوز - al3hd news
تعليقات