آخر الأخبار

القراءة طريق للخروج من ظلمات النفس

كتبت: شان مسلم

القراءة طريق للخروج من ظلمات النفس

 هل سألت نفسك يومًا كم من مرة ضبطت نفسك وأنت تقرأ اللافتات الإعلانية وأنت في السيارة أو حتى راجلًا؟ 


جميعنا بلا استثناء تمر أعيننا بنهم على اللافتات، وأي كلمة مكتوبة في أي مكان بوعي منّا أو بدون وعي، فنحن أمة اقرأ..


الكثير منّا يعشق القراءة؛ منّا المتعمقون فيها، ومنّا من يمر عليها مرور الكرام؛ لضيق وقته، ومنّا من لا يطيق أن يرى أمامه كتاب، ولكن هل خطر ببالك يومًا أن تصبح القراءة علاج؟


في هذا المقال سنخبرك كيف تصبح القراءة طريقة علاج وتهدئة لنفسك المضطربة، حيث تعددت في العصر الحديث طرق العلاج النفسي، فأصبح لدينا العلاج بالكتابة وتحدثنا عنه سابقًا، والعلاج بالقراءة، وسنتحدث عنه في هذا المقال بالتفصيل.


تعريف العلاج بالقراءة


هي أحد الطُرق المساعدة في العلاج النفسي، وتستخدم الكتب أو أي مواد مقروءة، لمساعدة الناس في حل مشاكلها.


كانت هناك محاولات كثيرة لاستخدام القراءة العلاجية على يد الكثير من أمناء المكتبات والعلماء والمعالجين السلوكيين، لكن المصطلح ظهر مطبوعًا لأول مرة طبقًا لقاموس أكسفورد في عام 1920 في رواية كريستوفر مورلي (المكتبة المسكونة The haunted bookshop)، وميفلن، بطل الرواية ليس مجرد بائع كتب في هذه الرواية، لكنه ممارس عام لطب العلاج بالكتب، والذي يقول: "مُتعتي تتمثل في وصف الكتب للمرضى عندما يأتون إلى هنا ويعربون عن استعدادهم لإخباري بأعراض أمراضهم. ولا يوجد على وجه الأرض أكثر امتنانًا من إنسان مددت له كتابًا كانت تتوق إليه روحه ولم يكن يعرف به".


في عام 1941 اعترف قاموس دورلاند الطبي المصوّر لأول مرة بالعلاج بالقراءة، وعرّف المصطلح بيبليوثيرابي Bibliotherapy بأنه "استخدام الكتب وقراءتها في علاج الأمراض العصبية". 


في حقيقة الأمر، إن مصطلح العلاج بالقراءة قديم جدًا، حيث أشار إلى فائدته المصريون القدماء والإغريق أيضًا، فقد وضع اليونانيون القدماء لافتات على أبواب المكتبات تخبر الرواد بأنهم داخلون إلى مكان لشفاء الروح، ورُقي العقل، أوليس الكتاب خير جليس في هذا الزمان؟.


هذا بالإضافة إلى أنه في القرن الثالث عشر كان القرآن يُوصف كعلاج للمرضى الراقدين في مستشفى المنصور في القاهرة، وفي القرن التاسع عشر كان الأطباء وممرضات العيادات النفسية يقدّمون للمرضى كتبًا، بدءًا من الإنجيل وصولًا إلى أدب الرحلات وغيرها من المؤلفات بلغاتٍ قديمة، ومن المثير للاهتمام أن الكثير من الأبحاث تشير إلى وجود علاقة قوية بين التديّن والصحة العقلية، فقد ذكر موقع سيكولوجي توداي أن جزءًا لا يتجزأ من التديّن يشمل قراءًة منتظمًة للنصوص المقدسة، والتي يمكن أن توفّر الكثير من الدعم والطمأنينة لنفوس المؤمنين المضطربة، هذا وقد سبق القرآن الكريم هذه الأبحاث بقوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)...سورة الإسراء﴾.


الجدير بالذكر، أنه أجريت تجارب للعلاج بالقرآن في ولاية فلوريدا على خمسة من المتطوعين الأصحاء غير المسلمين ووجد أنه في 97% من تلك الجلسات كان لتلاوة القرآن الكريم أثرها على تهدئة الجهاز العصبي لديهم، ووجود تغيرات فسيولوجية لديهم تدل على تخفيف حدة التوتر رغم أنهم من غير الناطقين بالعربية.


كما أصبح كتاب سوزان إلدركن "العلاج بالرواية: سرد من الألف إلى الياء للعلاجات الأدبية" بديلًا مقتصدًا للاستشارات التي تلجأ إليها المدارس بتكلفة باهظة.


كيفية استخدام القراءة كـعلاج


يتم العلاج بالقراءة على شكلين (فردي أو جماعي) وكل ما يلزم وجوده في الشكلين هو كتاب مناسب للحالة ومستشار للتوجيه والمناقشة والشخص أو مجموعة أشخاص في حالة العلاج الجماعي، ويجب أن يكون المستشار النفسي على دراية بكافة أنواع المشاعر التي تتضارب داخل مرضاه، ويختار ما يناسب هذه المشاعر من كتب، بالإضافة إلى مراعاة العمر والجنس والمستوى التعليمي ومستوى الخبرات.


في هذا السياق، يشير الدكتور "سام جلانج" وهو أستاذ في برنامج الإرشاد والخدمات الإنسانية في جامعة "ويك فورست" والحاصل على خبرة تخصص في مجال الإبداع والمشورة، إلى أهمية أن يرتبط موضوع الكتاب وأحداثه مع الفرد والمشكلة التي يعاني منها، حيث يؤدي ذلك إلى أن يضع الفرد نفسه مكان بطل الحكاية ويناقش مع مستشاره أحداث الحكاية وكيف استطاع البطل الخروج من المشاكل التي وقع فيها، ويقارن الفرد تصرفه مع تصرفات البطل.


فوائد العلاج بالقراءة 


- توفر الكتب شكلًا من أشكال الهروب من الواقع أكثر من أيّ عملٍ فني آخر.


بحسب ما تؤكده إيلا بيرثود، خبيرة العلاج بالقراءة، لموقع بي بي سي: "عندما تشاهدون فيلمًا أو برنامجًا تلفزيونيًا، فإنكم ترون الصورة جاهزة، بينما في الرواية فإنكم تخلقون الصورة".


- يساعد على تطوير مهارات التواصل مع الآخرين وتشجيع الأفراد على المشاركة في الحوارات المختلفة.


 عندما تكون مشتت الذهن، تساعدك قراءة الرواية على تنظيم أفكارك، حيث تستطيع الروايات من خلال حبكتها، إرساء قواعد تنظم العقل الذي يعاني من التشتت.


- تحسين الوعي الذاتي وتعزيز القدرة على حل المشكلات.


حيث أنه وفي أثناء القراءة نشعر أحيانًا بأن حالتنًا تشبه حالة إحدى الشخصيات الموجودة في الكتاب، وبالتالي نحاول البحث من خلال الصفحات على حلولٍ قد تساعدنا في حياتنا الشخصية، وتتيح القراءة رؤية الأمور بصورةٍ أوضح، وأيًا كانت المشكلة التي نجد أنفسنا فيها، هناك دومًا كتاب يذكّرنا بأنّ أناسًا قبلنا عايشوا هذه التجارب، وأن الأمر يتعلق فقط بالعثور على الكتاب المناسب.


- أظهرت الأبحاث أن بعض الأنشطة التي تحفز الدماغ، مثل القراءة، قادرة على درء التدهور العقلي وبعض الحالات التي تصيب العقل البشري مثل الخرَّف، هذا بالإضافة إلى تحسين الذاكرة والتركيز.


- يساعد الفرد على تنظيم وقته واكتساب العديد من المهارات الشخصية واللغوية.


القراءة أسلوب حياة يتبعه كل من يريد تغذية عقله باستمرار.


- يساعد على فهم الآخرين والتعاطف معهم.


حيث تحفز قراءة القصص والروايات سواء كانت واقعية أو خيالية على تفهم أن لكل شخصية في هذه الحياة معضلاتها الخاصة، وأنك لست وحدك من يعاني، فالجميع لديهم العديد من الصراعات خلال مراحل حيواتهم المختلفة، كما نشرت دورية علم النفس الاجتماعي التطبيقي (أبلايد سوشال سيكولوجي) بحثًا أظهر كيف أن قراءة قصص هاري بوتر جعلت الشباب الصغار في بريطانيا وإيطاليا، أكثر استعدادًا وإيجابية إزاء الأقليات المهمّشة مثل اللاجئين.


- تساعد على التخلص من التوتر.


حيث أنه بإمكان القراءة أن تقلّل من مستويات الإجهاد بنسبة 68% وفق ما أكّدته دراسة أجرتها جامعة ساكس، بحيث تمت مراقبة مستويات التوتر ومعدلات ضربات القلب أثناء تجربة مجموعةٍ متنوعةٍ من طرق الاسترخاء، مثل الاستماع إلى الموسيقى، القيام بنزهة، تناول كوب من الشاي...ولكن تبيّن أن القراءة هي أقوى وسيلة لمساعدة الجسم والدماغ على الاسترخاء، وكما تقول مؤلفة كتاب "ثلاث عشرة طريقة للنظر إلى الرواية"، جين سمايلي، في كتابها: "العديد من الناس وأنا من بينهم يشعرون بأنهم أفضل حالًا بمجرد النظر إلى الكتاب".


- الأدب المقروء يلعب دورًا مهمًا في معالجة أزمة الصحة العقلية لدى صغار السن، والتي أصبحت جزءًا من نقاش على الساحة الدولية.


تزداد الروايات التي تستهدف صغار السن وتساعد المراهقين في التعامل مع مشكلات يواجهونها في حياتهم اليومية، من التنمر إلى المخدرات إلى قضايا المتحولين جنسيًا وقضايا الإقصاء من المجتمع، وتشير بيرثود إلى روائيين أمثال جونو داوسون وملفين بورغيس ومالوري بلاكمان تحسبهم أكثر فائدة في حَث الأطفال على الحديث عن "قضايا قد تواجههم في حياتهم، لكنهم يعجزون عن التعبير عنها".


في النهاية، اقرأوا ففي القراءة حيوات أخرى يجب أن تُعاش، ومغامرات يجب أن تُخاض، ونبحر بخيالنا في الكتب لنجد ذواتنا في العديد من القصص والحكايا والأشخاص، فأعظم كتاب ذاك الذي يجعلك ترى نفسك داخله، والكتاب كما قال كافكا "يمكن أن يمثل الفأس التي تهشم البحر المتجمد بداخلنا"، وهي مقولة تصدق في أي عمر.

العهد نيوز - al3hd news
العهد نيوز - al3hd news
تعليقات